السبت، 30 أبريل، 2016

وثيقة تبرئة اليهود من دم المسيح

وثيقة تبرئة اليهود من دم المسيح
انعقد مجمع الفاتيكان عام 1963م لبحث موضوعات عديدة، تدور حول تقوية الوحدة المسيحية.
وفي الدورة الثانية منه وبناء على طلب البابا قدّم الألماني الكاردينال بيّا وثيقة تعتبر الصورة التمهيدية للوثيقة التي صدرت فيما بعد، وتبرئ اليهود من دم المسيح.
وتنادي الوثيقة التمهيدية باعتبار الشعب اليهودي جزءًا من الأمل المسيحي، وأنه لا يجوز أن ننسب إلى يهودِ عصرِنا ما ارتُكب من أعمال أيام المسيح، واحتج الكاردينال لكلامه بأن كثيرين من الشعب لم يكونوا يعرفون شيئاً عما حدث، ولم يوافق بعض قادة الشعب على فعل سائر الكهنة.
وقد عورضت الوثيقة داخل المجمع، لما فيها من اعتبارات سياسية، وطلب المطران الهندي (كوتنهو) حذفَها، وإضافة فصول عن الديانة الهندية والإسلامية، وكذلك عارض الوثيقةَ بعضُ كرادلة الشرق، كما عارضها الشبابُ الكاثوليك بالقدس، وأوضحوا أن ذلك ليس حقاً للمجمع ولا غيره، وطالبوا بتطبيق ما جاء في سِفر الخروج: " أنا الرب إلهك، إله غيور، أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء " ( الخروج 20/15 ).
واستشهد القس إبراهيم سعيد - رئيس طائفة الأقباط الإنجيليين - بنصوص الإنجيل، التي تقرر أن اليهود طلبوا صلبه، ورفضوا إطلاق المسيح، وطلبوا إطلاق باراباس، وتولى رئيس الكهنة قيافا بعض الوِزر في ذلك. ثم إنهم قالوا: " دمه علينا وعلى أولادنا " ( متى 27/25 ).
وقد قال بطرس لثلاثة آلاف من اليهود: " يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم " (أعمال 2/36).
وتم تشكيل لجنة لتعديل الوثيقة، وعدّلت، وفي أكتوبر 1965م صدرت وثيقة تبرئة اليهود.
ويقول الكاردينال بيّا عن هذه الوثيقة: " ليست هذه الوثيقة ثمرة يوم أو ليلة، إنها خلاصة دراسة "، وقد وقع البابا يوحنا الثالث والعشرون عليها قبل وفاته بخمسة أشهر، لتصبح وثيقة دينية معتبرة، ومعتمدة من أهم المراجع النصرانية.
وقد أراد بيا من وثيقته التمهيدية تبرئة العنصر اليهودي من صلب المسيح.
ولكن الوثيقة النهائية الرسمية أقرت بدور اليهود وبراءة الرومان، وبرأت الأجيال اليهودية اللاحقة من تولي وزر هذه الجريمة، كما أنها حاولت حصر الجريمة في أقل عدد ممكن من الكهنة ورؤساء الشعب اليهودي، " فإن ما ارتكب أثناء آلامه، لا يمكن أن يعزى إلى جميع اليهود الذين كانوا عائشين إذ ذاك، ولا إلى يهود أيامنا ".
وتعود الوثيقة للحديث عن آلام المسيح المصلوب، فتقول: "ما حصل للمسيح من عذابه لا يمكن أن يعزى لجميع الشعب اليهودي .. فإن الكنيسة كانت ولا تزال تعتقد بأن المسيح قد مر بعذابه وقتله بحربة بسبب ذنوب جميع البشر، ونتيجة حُبٍ لا حدَّ له ".
ونلحظ في هذه الوثيقة تعارضاً صريحاً مع النصوص الإنجيلية، المصرحة بدور اليهود بقتل المسيح على الصليب، ومنها قول بولس: " اليهود الذين قتلوا الرب يسوع، وأنبياءهم، واضطهدونا نحن" ( تسالونيكي (1) 2/15 ).
وقد ذكرت الأناجيل دورهم الخسيس في هذه الجريمة، فهم الذين تآمر رؤساء كهنتهم، وهم الذين قدموا الرشوة ليهوذا، وأصروا وأصرت جموعهم على صلب المسيح رغم براءته التي ظهرت لبيلاطس ؛ الذي قبل نصيحة زوجته، فتبرأ من دم هذا البار.
كيف يبرأ اليهود من دمه؛ ويوحنا يقول على لسان قيافا رئيس الكهنة: " أنتم لستم تعرفون شيئاً، ولا تنكرون أنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب، ولا تهلك الأمة كلها .. فمن ذلك اليوم تشاوروا ليقتلوه " ( يوحنا 11/47 - 53 ).
واليهود هم الذين أتوا بشهود الزور. ولما وجد بيلاطس أن لا جرم عليه، قال: " إني بريء من دم هذا البار. أبصروا أنتم، فأجاب جميع الشعب وقالوا: دمه علينا وعلى أولادنا " ( متى 27/24 - 25 ).
ثم كيف للكنيسة أن تبرئ اليهود وذراريهم من دم المسيح، وهم قد قالوا لبيلاطس: " دمه علينا وعلى أولادنا" ( متى 27/25 )، والمفروض أن النصارى يؤمنون بوراثة الذنب ولو تبرأ منه الورثة، فما بالنا بالذنب الذي أعلن أصحابه مسئوليتهم وأبناءهم عنه، ومن الممكن تصور وراثة ذنب اليهود دون ذنب آدم، أما العكس فلا، وألف لا.
وعندما نسجل هذا الاعتراض على النصرانية، فإنا نعلم براءة يهود زماننا من جرائم أسلافهم، بل وبراءة يهود القرن الأول من دم المسيح، فقد أنجاه الله منهم، ولكن ذلك لا يبرئهم من أصل الجريمة، ألا وهي سعيهم لقتل المسيح، فقد خططوا لصلبه، وتآمروا عليه، ومضوا في التنفيذ، فأخذوا مَن ظنوه المسيح، وصلبوه، وقتلوه، وهي في كل القوانين جريمة، والخطأ في شخص المجني عليه لا يغير من بشاعة جريمتهم كثيراً، من حيث نيتهم وما أرادوا فعله.

السبت، 23 أبريل، 2016

صلب المسيح عند المسلمين3

صلب المسيح عند المسلمين
وقد كانت حيثيات هذا القرار: أن الملك عادل، ومن عدله يقتص من المجرمين المخربين المفسدين في مملكته، ولكنه حباً لهم، وحتى لا يهلك كل من في المملكة رضي بأن يقتص من ابنه الوحيد البريء، الذي يعدل القصاص منه كل جرائم شعبه، وأمر بأن يعذب ثم يصلب فما رأي النصارى بهذا الملك ؟
ومثل هذا الملك لا يقال في حقه عادل أو ظالم، وإنما الأليق به أن يقال عنه: إنه غبي سفيه معتوه.
هذه كما يرى الأستاذ محمد حسن هي صورة الإله الذي تريد النصرانية المحرفة أن نعبده. 
وعقيدة الصلب والخطيئة والفداء وما تعلق بها سبب لنفور الناس من الدين وانتشار الإلحاد، إذ لم يرضَ الناس بعبادة رب ظالم، أو رب مصلوب كالذي تريد الكنيسة من الناس أن يعبدوه.
ولعل من صور هذا الشطط الإلحاد والذي سببته عقيدة موت الإله بسبب الفداء كما قال نيتشة: " إن كان من شأن فكرة الله أن تسقط ضلال الخطيئة على براءة الأرض، فإنه لابد للمؤمنين بالحس الأرضي أن يهووا بمعاولهم على تلك الفكرة ".

ويقول: " طوبى لأتقياء القلب، لأنهم لا يعاينون الله... لقد صرنا بشراً، ولهذا فإننا لا نريد إلا ملكوت الأرض، إلى أين مضى الله ؟ سأقول لكم إلى أين مضى؟ لقد قتلناه، أنتم وأنا، أجل، نحن الذين قتلناه، نحن جميعاً قاتلوه، ألا تشمون رائحة العفن الإلهي؟ إن الآلهة أيضاً تتعفن، لقد مات الله وسيظل ميتاً ".
بل إن سذاجة فكرة الخطيئة والفداء وغرابتها جعلها محلاً للسخرية والهزء كما يقول ج. ر سنوت في كتابه " المسيحية الأصلية": " ومن المدهش أن هذه القضية الخاصة بيسوع ابن الله ليس محبوباً في العصر الحاضر، ويقال عن حمله خطايانا، ورفعه قصاصها عنا: إنه عمل غير عادل وغير أدبي وغير لائق، ويمكن تحويله إلى سخرية وهزء ".
وللحديث بقية إن شاء الله وقدر

الاثنين، 18 أبريل، 2016

صلب المسيح عند المسلمين2

صلب المسيح عند المسلمين
أهمية إبطال صلب المسيح عند المسلمين.
يعتقد المسلمون أن الأنبياء كسائر البشر يموتون، وقد يكون موتهم قِتلةَ، ويحكي القرآن عن بني إسرائيل بأنهم كانوا يقتلون الأنبياء بغير حق، وعليه فلا حرج عندنا في موت نبي بأي قتلة قتله بها سفهاء قومه ومجرموهم، فالقتل لا يضر النبي المقتول، بل هو من اصطفاء الله له، إذ هو شهادة في سبيل الله ودينه.
فلماذا ذكر القرآن نجاة المسيح، وأصر على تكذيب النصارى في هذه المسالة ؟
ذكر القرآن الكريم نجاة المسيح لمجرد إثبات الحقيقة، وإثبات ضعف وعجز اليهود عن بلوغ مرامهم، والمسلمون حين يتحدثون عن نجاة المسيح إنما يريدون إثبات هذه الحقيقة التي بشر بها كتابهم.
وأيضاً أدرك المسلمون الخطر التي تركته حادثة الصلب، والتي تحولت من حدث تاريخي إلى عقيدة، عظيم شأنها عند النصارى، فتقويضها يعني خواء النصرانية عن كل معنى، لذا يؤكد العلامة ديدات أن النصرانية لا تستطيع أن تقدم للناس أي فضيلة، سوى ما تزعمه من الخلاص بدم المسيح، فهي مثلاً لا تستطيع أن تقدم لنا نحن المسلمين الكرم أو النظافة أو.... فإذا ما بطل صلب المسيح، لم يبق للنصرانية مبرر للدعوة والوجود.
وفي الآثار العقدية السلبية لفكرة الصلب ما يجعلها هدفاً للمسلمين ينبغي التركيز عليه، ومن هذه الآثار الاضطراب في نظرة المسيحية للإله.

فقد ظهر في القرن الثاني الميلادي تلميذ شهير لبولس، اسمه مركيون، وكان يعتقد بأن إله اليهود الذي أعطى الناموس لموسى، وخالق العالم كان شريراً، وأما إله المحبة فقد ظهر في المسيح، وهو معارض تماماً لخالق العالم.
ويتصور مركيون محاكمة من المسيح لخالق العالم ورب السماوات والأرض، فيقول: " نزل يسوع إلى رب المخلوقات في هيئة لاهوته، ودخل معه في قصاص بسبب موته على الصليب قتلاً... قال له يسوع: إن الدينونة بيني وبينك، لا تدع أي شخص آخر يكون قاضياً، إنما شرائعك ذاتها تقضي لي ... ألم تكتب في ناموسك أن من قتل يقتل ؟
وعندئذٍ أجاب ( إله المخلوقات ): لقد كتبت هذا.. قال له يسوع: سلم نفسك إذن ليدي..قال خالق العالم: لأني قد ذبحتك، فإني أعطيك عوضاً، كل أولئك الذين يؤمنون بك، تستطيع أن تفعل بهم ما يرضيك.
عندئذٍ تركه يسوع، وحمل بولس بعيداً، وأراه الثمن، وأرسله ليكرز بأننا اشتُرينا بهذا الثمن، وأن كل من يؤمن بيسوع قد بيعوا عن طريق هذا الإله العادل إلى الإله الطيب ". 
فهذا الشطط في المعتقد إفراز طبيعي متجدد. يسببه تناقض العدل والرحمة، والقول بنجاة المسيح من القتل يضع الأمور في ميزانها الصحيح، فتعبد البشرية ربها، وهي موقنة بأنها تعبد الرب العفُوّ الرحيم.
وقصة النصارى في الخطيئة والفداء والشريعة يشبهها الأستاذ محمد حسن عبد الرحمن في كتابه "براهين تحتاج إلى تأمل في ألوهية المسيح" ، يشبهها بقصة ملك تمرد عليه شعبه، فأرسل إليهم رسلاً يدعونهم إلى الخير والرجوع لسلطانه والإذعان لقوانين العدل والسلام التي وضعها.
لكن هؤلاء قتلوا رسله واستهزءوا بهم، وزادوا عتواً، فزاد غضب الملك عليهم، ثم ما لبث الملك أن أصدر قراراً بأنه سيبعث ابنه الوحيد ليضربوه ويقتلوه ويهينوه كفارة عن معاصيهم، فمن صدق ذلك فهو عنده الكريم المغفور له.
كما أصدر أمراً آخر بإلغاء كل قوانين العدل والرخاء السابقة.
وأصدر أمراً باعتبار الرضا بالقرارات السابقة كافياً للحكم على الراضي بأنه مواطن صالح مهما ارتكب من آثام وموبقات وجرائم.
وللحديث بقية إن شاء الله وقدر.

الأربعاء، 13 أبريل، 2016

صلب المسيح عند المسلمين1

صلب المسيح عند المسلمين
وأما الرأي الإسلامي فيتلخص في أن المسيح عليه السلام لم يصلب كما يدعي اليهود والنصارى.
وقد استند المسلمون - في هذا الرأي المخالف لما أجمعت عليه الأناجيل - إلى آيات القرآن الكريم وهي تقرر ذلك.
فقد أشارت الآيات إلى المؤامرة التي جرت للمسيح، وقررت أموراً يلحظها قارئ الآيات، فقد تحدثت الآيات عن نجاة المسيح من مؤامرة أعدائه، فقد قال تعالى - في معرض تعداده لنعم الله على المسيح -:( وإذ كففت بني إسرائيل عنك )
(المائدة: 110).
وذلك ولا ريب في ذلك اليوم العصيب الذي جرت فيه مؤامرة الرومان مع اليهود بغية قتل المسيح وصلبه عليه السلام، ولكن الله مكر بهم فلم تفلح المؤامرة ( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ( (آل عمران: 54 )، فقد أنجى الله نبيه - المسيح - من مؤامرتهم وكيدهم.
وتخبر الآيات عن بعض ملامح هذه المؤامرة التي حاكها اليهود ( وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً ( بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً( (النساء: 157-158).
وثمة آية أخرى تشير إلى رفعه ونجاته، وهي قوله تعالى: ( إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة )
(آل عمران: 55).
كما أشارت الآيات لنجاته في قوله: ( ويكلم الناس في المهد وكهلاً ( (آل عمران : 46) والمعلوم أن المسيح رفع وهو في الثلاثينيات من عمره، والكهولة في اللغة مقترنة بالمشيب، ولما يدركه المسيح حال وجوده الأول، فدل على أنه سيعيش ويبلغ الكهولة، ويكلم الناس حينذاك، ولو صرفت عن هذا المعنى لما بقي لذكر الكهولة - وكلامه فيها - وجه، إذ ذكرت بين معجزات المسيح، والكلام في الكهولة كل أحد يطيقه، ولا معجزة في ذلك.
وقد ذكر القرآن في آية أخرى إشارة لنزوله عليه الصلاة والسلام في آخر الزمان وهي قوله تعالى: ( وإنه لَعِلْم للساعة فلا تمترن بها( (الزخرف: 61).
ومثله قوله تعالى: ( وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً ( (النساء : 159).
ولا تذكر النصوص القرآنية ولا النبوية أي تفصيل عن كيفية نجاة المسيح، لذا فقد حاول المحققون المسلمون تلمس الحقيقة التي أخبر عنها القرآن في النقول التي نقلها إلينا مسلمة أهل الكتاب أو نقبوا بحثاً عن الحقيقة في طيات أسفار أهل الكتاب، بحثاً عن هذه الكيفية التي نجى بها السيد المسيح من مؤامرة اليهود.
ولقد أفاد القرآن الكريم وقوع الصلب، ولكن على غير المسيح، وبين القرآن جهل اليهود وغيرهم بحقيقة المصلوب واختلافهم في شخصه، لما وقع من شبه المسيح عليه، وذلك في قوله تعالى: (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ( (النساء: 157).فالشك في الآية منصرف إلى شخصية المصلوب، ولم يحدد القرآن شخص هذا المصلوب، لكنه أكد على نجاة المسيح عليه الصلاة والسلام ورفعه للسماء (وما قتلوه يقيناً ( بل رّفعه اللّه إليه وكان اللّه عزيزاً حكيماً ( (النساء: 157-158).
إذاً القرآن ناطق بنجاة المسيح من مكر الماكرين، ورفعه إلى السماء، وأن أعداءه الذين أرادوا صلبه وقعوا في الشك وأخذوا غيره فصلبوه، فرفع الله المسيح عليه السلام، ولسوف يعود قبيل الساعة، فيكون مجيئه علامة على قرب انقضاء الدنيا صلى الله عليه وسلم.
وللحديث بقية إن شاء الله وقدر.

الخميس، 7 أبريل، 2016

مصادر عقيدة الفداء والخلاص6

 مصادر عقيدة الفداء والخلاص
ويرى كامل سعفان أيضاً " أن ادعاء إهراق دم المسيح مأخوذ من الديانة المثراسية حيث كانوا يذبحون العجل، ويأخذون دمه، فيتلطخ به الآثم، ليولد من جديد، بعد أن سال عليه دم العجل الفدية. 
نزول الآلهة إلى الجحيم لتخليص الموتى
وتشابهت العقائد النصرانية مع الوثنيات القديمة مرة أخرى عندما زعم النصارى أن المسيح نزل إلى الجحيم لإخراج الأرواح المعذبة فيها وتخليصها من العذاب، ففي أعمال الرسل يقول بطرس: "سبق فرأى وتكلم عن قيامة المسيح أنه، ولم تترك نفسه في الهاوية، ولا رأى جسده فساداً " (أعمال 2/31 )، ويقول بطرس في رسالته عن المسيح: " ذهب ليكرز للأرواح التي في السجن " (بطرس (1) 3/19).
وقد أضحت هذه الفكرة الغريبة معتقداً نصرانياً يقول عنه القديس كريستوم 347م: " لا ينكر نزول المسيح إلى الجحيم إلا الكافر ".
ويقول القديس كليمندوس السكندري: " قد بشر يسوع في الإنجيل أهل الجحيم، كما بشر به وعلمه لأهل الأرض، كي يؤمنوا به ويخلصوا "، وبمثله قال أوريجن وغيره من قديسي النصارى.

وهذا المعتقد وثني قديم قال به عابدو كرشنا، فقالوا بنزوله إلى الجحيم لتخليص الأرواح التي في السجن، وقاله عابد وزورستر وأدونيس وهرقل وعطارد وكوتز لكوتل وغيرهم.
ولما وصل النصارى إلى أمريكا الوسطى، وجدوا فيها أدياناً شتى، فخفّ القسس لدعوتهم للمسيحية، فأدهشهم بعد دراستهم لهذه الأديان أن لها شعائراً تشبه شعائر المسيحية، وخاصة في مسائل الخطيئة والخلاص . 
فكيف يفسر النصارى هذا التطابق بين معتقداتهم والوثنيات القديمة والذي جعل من النصرانية نسخة معدلة عن هذه الأديان ؟
يقول الأب جيمس تد المحاضر في جامعة أكسفورد: " سر لاهوتي فوق عقول البشر، وليس من الممكن تفسيره حسب تفسير وتصور هؤلاء البشر".
وقد صدق الله تبارك وتعالى، فأخبر أن ذلك الذي يقوله النصارى إنما هو مضاهاة لأقوال الأمم الوثنية وانتحال للساقط من أفكارهم ( ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم اللّه أنّى يؤفكون ( (التوبة: 30)، وهو ما حذرهم الله من الوقوع فيه ( قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحقّ ولا تتّبعوا أهواء قوم قد ضلّوا من قبل وأضلّوا كثيراً وضلّوا عن سواء السّبيل( (المائدة: 77).
خاتمة
وبعد: وصلنا في نهاية مطافنا إلى إجابة سؤالنا ، حيث أجبنا بموضوعية ومنهجية علمية محايدة عن سؤالنا في هذه الحلقة: هل افتدانا المسيح على الصليب؟
لقد كشفت لنا الدراسة الموثقة عن جملة حقائق لا يسع الباحث عن الحقيقة إلا أن ينحني لها، فقد ثبت لدينا نجاة المسيح عليه السلام من الصلب كما أنبأنا بذلك أسفار العهد القديم، وكما وعد المسيح أتباعه في العهد الجديد، ورأينا مكر الله يحيق بالتلميذ الخائن الذي خان سيده، فانتشبت أرجله في الشبكة التي أخفاها، ووقع في الحفرة التي حفرها.
ورأينا ما يثبت صحة ما توصلنا إليه، فقد سجلته الدلائل المتناثرة في زوايا الكتاب المقدس، ورأينا ظلاله في تاريخ النصرانية، حيث تواصل إنكار النصارى لهذا الصلب المزعوم عبر تاريخ النصرانية القديم.
كما ثبت لدينا عند دراسة فلسفة الفداء والكفارة أن البشر بريئون مما صنعه آدم في القديم، وأن خطيئته لا تتجاوزه إلى غيره.
ووضح لنا بالأدلة المتكاثرة أن ما يزعمه النصارى من توارث الخطيئة الأولى ولزوم الفداء بكائن إلهي، إنما هو هراء تمجه العقول وتزدريه الفطر، وهو ظلم يتنزه الله عنه، وقد نقله بولس والمجتمعون بعده في مجمع نيقية من قصص الوثنيات السابقة للنصرانية.
ولا يسعني وأنا أشكر القارئ الكريم على قراءته لهذه السطور إلا أن أتوجه إليه بدعوة مخلصة لقراءة الحلقة التالية من حلقات سلسلة الهدى والنور، وهي بعنوان: هل بشر الكتاب المقدس بمحمد صلى الله عليه وسلم؟
-------------
راجع كتاب هل افتدانا المسيح على الصليب؟
د. منقذ بن محمود السقار

الاثنين، 4 أبريل، 2016

مصادر عقيدة الفداء والخلاص :5

 مصادر عقيدة الفداء والخلاص
ويذكر مكس مولر في كتابه " تاريخ الآداب السنسكريتية " أن " البوذيون يزعمون أن بوذا قال: دعوا الآثام التي ارتكبت في هذا العالم تقع عليّ، كي يخلص العالم ".
ويرى البوذيون أن الإنسان شرير بطبعه، ولا حيلة في إصلاحه إلا بمخلص ومنقذ إلهي.
وكذلك فإن المصريين يعتبرون أوزوريس إلهاً، ويقول المؤرخ بونويك في كتابه " عقيدة المصريين": "يعد المصريون أوزوريس أحد مخلصي الناس، وأنه بسبب جده لعمل الصلاح يلاقي اضطهاداً، وبمقاومته للخطايا يقهر ويقتل ".
ويوافقه العلامة دوان في كتابه " خرافات التوراة والإنجيل وما يماثلها من الديانات الأخرى".
كما تحدث المؤرخون عن قول المصريين بقيامة مخلصهم بعد الموت، وأنه سيكون ديان الأموات يوم القيامة، فإنهم يذكرون في أساطيرهم أن أوزوريس حكم بالعدل، فاحتال عليه أخوه وقتله، ووزع أجزاء جسمه على محافظات مصر، فذهبت أرملته أيزيس فجمعت أوصاله من هنا وهناك، وهي تملأ الدنيا نحيباً وبكاءً، فانبعث نور إلى السماء، والتحمت أوصال الجسد الميت، وقام إلى السماء يمسك بميزان العدل والرحمة.

وكذلك اعتقد الهنود في معبودهم كرشنا أنه مخلص وفادي. يقول القس جورج كوكس: "يصفون كرشنا بالبطل الوديع المملوء لاهوتاً، لأنه قدم شخصه ذبيحة "، ويعتقدون أن عمله لا يقدر عليه أحد.
ويقول المؤرخ دوان في كتابه " خرافات التوراة والإنجيل": "يعتقد الهنود بأن كرشنا المولود البكر الذي هو نفس الإله فشنو، والذي لا ابتداء ولا انتهاء له - وفق رأيهم - تحرك حنواً كي يخلص الأرض من ثقل حملها، فأتاها وخلص الإنسان بتقديم نفسه ذبيحة عنه "، ومثله يقوله العلامة هوك.
ويصف الهنود أشكالاً متعددة لموت كرشنا أهمها أنه مات معلقاً بشجرة سُمِّر بها بحربة. وتصوره كتبهم مصلوباً، وعلى رأسه إكليل من الذهب، ويقول دوان: " إن تصور الخلاص بواسطة تقديم أحد الآلهة ذبيحة فداء عن الخطيئة قديم العهد جداً عند الهنود والوثنيين.
وكذلك اعتقد أهل النيبال بمعبودهم أندرا، ويصورونه وقد سفك دمه بالصلب، وثقب بالمسامير، كي يخلص البشر من ذنوبهم كما وصف ذلك المؤرخ هيجين في كتابه: "الانكلو سكسنس". 
وحتى لا نطيل نكتفي بهذه الصور التي اعتقد أصحابها بسفك دم الآلهة قرباناً وفداء عن الخطايا ومثلها في الوثنيات القديمة كثير.
الدم المسفوح سبيل الكفارة
وليست مسألة المخلص فقط هي التي نقلها بولس عن الوثنيات، فقد تحدث أيضاً عن دم المسيح المسفوح فقال: " يسوع الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه " ( رومية 3/25 )، ويقول: " ونحن الآن متبررون بدمه " ( رومية 5/9 )، ويواصل: " أليست هي شركة دم المسيح " ( كورنثوس (1) 10/16 ).
ويقول: " أنعم بها علينا في المحبوب الذي فيه لنا الفداء، بدمه غفران الخطايا " ( أفسس 1/7).
وفي موضع آخر يتحدث عن ذبح المسيح الفادي " لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا " (كورنثوس (1) (5/7).
ومثل هذه النصوص تكثر في رسائل بولس، وهي فكرة جِدُ غريبة، فإن المسيح لم يذبح، فالأناجيل تتحدث عن موت المسيح صلباً، لا ذبحاً، والموت صلباً لا يريق الدماء، ولم يرد في الأناجيل أن المسيح نزلت منه الدماء سوى ما قاله يوحنا، وجعله بعد وفاة المسيح حيث قال: " وأما يسوع فلما جاءوا إليه لم يكسروا ساقيه، لأنهم رأوه قد مات، لكن واحداً من العسكر طعن جنبه بحربة، وللوقت خرج دم وماء " ( يوحنا 19/23 - 24 ). وهو ليس ذبحاً بكل حال.
يقول المحقق ولز: " إنه لزام علينا أن نتذكر أن الموت صلباً لا يكاد يهرق من الدم أكثر مما يريقه الشنق، فتصوير يسوع في صورة المراق دمه من أجل البشرية إنما هو في الحقيقة من أشد العبارات بعداً عن الدقة ".
والنظرة إلى الله بأنه لا يرضى إلا بأن يسيل دم الكفارة أو الضحية نظرة قديمة موجودة عند اليهود وعند الوثنيين قبلهم، ففي التوراة تجد ذلك واضحاً في مثل قولها: " بنى نوح مذبحاً لله.. وأصعد محرقات على المذبح، فتنسم الرب رائحة الرضا، وقال الرب في قلبه: لا أعود ألعن الأرض أيضاً من أجل الإنسان " (التكوين 8/20 - 21 ).
وكذا صنع داود " وبنى داود هناك مذبحاً للرب، وأصعد محرقات وذبائح سلامة، ودعا الرب، فأجابه بنار من السماء على مذبحة المحرقة " (الأيام (1) 21/26 ).
وهكذا فإن التصور اليهودي للإله مشبع برائحة الدم ، وهي تصور الإله ساخطاً لا يرضيه إلا الدم والمحرقات، وحينها فقط يتنسم رائحة الرضا، ويرضى عن عباده، يقول آرثر ويجال: "نحن لا نقدر أطول من ذلك قبول المبدأ اللاهوتي المفزع الذي من أجل بعض البواعث الغامضة وجوب تضحية استرضائية، إن هذا انتهاك إما لتصوراتنا عن الله بأنه الكلي القدرة، وإلا ما نتصوره عنه ككلي المحبة ".
وللحديث بقية إن شاء الله وقدر

غرض الإنجيل وموضوعه ( الإسلام ) و ( أحمد ) 2

غرض الإنجيل وموضوعه ( الإسلام ) و ( أحمد ) - 11 - كيف ترجموا هذه الآية كلما تقدمت في هذا المؤلف الوجيز تزعجني هاتان الواهمتان . ا...