الجمعة، 30 سبتمبر، 2011

أين العدل في صلب المسيح

يعتقد النصارى أن المسيح صلب ليكفر الخطيئة الأزلية PECHE ORIGINAEL وهي التي ارتكبها آدم تحت تأثير زوجته بإغواء من الحية حينما أكل من الشجرة ، وانتقلت بطريق الوراثة إلى جميع نسله ، وكانت ستظل عالقة بهم إلى يوم القيامة ، لولا أن افتداهم المسيح بدمه كفارة عن خطاياهم . وأساس هذا الموضوع عند المسيحيين أن من صفات الله العدل والرحمة ، وبمقتضى صفة العدل كان على الله أن يعاقب ذرية آدم بسبب الخطيئة التي إرتكبها أبوهم وطرد بها من الجنة واستحق هو وأبناؤه البعد عن الله بسببها ، وبمقتضى صفة الرحمة كان على الله أن يغفر سيئات البشر ، ولم يكن هناك من طريق للجمع بين العدل والرحمة إلا بتوسط ابن الله الوحيد ليموت على الصليب كفارة ونيابة عنهم ، وبهذا العمل يكون الله قد جمع بين عدله ورحمته مع الانسان وأخذ العدل حقه ، وظهرت رحمة الله !! .

 لا شك ان ما يدعيه المسيحيون ليس مخالفاً للحق والعدل فحسب ، بل ولنصوص كتابهم المقدس أيضاً وقبل ان نذكر هذه النصوص نقول :

1) من الواضح والمعلوم أن المخطأ هو آدم وزوجته ، وليس الأولاد ، ومن العجيب أن المسيحيون يصفون الله بالعدل ، ثم يدعون : إن خطيئة آدم تتعداه إلى نسله ، لأنهم ورثة لطبيعته الساقطة ‍‍!!  فأي عدل في هذا ؟!

 2) أي عدل وأي رحمة في تعذيب وصلب إنسان غير مذنب  ؟ ان معاقبة وتعذيب شخص بريىء لم يقترف آثاماً من أجل خطايا الآخرين إنما هو ذروة الظلم .

 3) من الذي قيد الله وجعل عليه أن يلزم العدل وأن يلزم الرحمة وأن يسعى للتوفيق بينهما ؟

 4) أين كان عدل الله ورحمته منذ خطيئة آدم وحتى قصة الصلب ؟

 5) إذا كان الله سبحانه عادل وفي نفس الوقت محب ورحيم  فأين كانت رحمته وابنه الوحيد يلاقي دون ذنب ألوان التعذيب والسخرية ثم الصلب مع دق المسامير في يديه ؟  

 أين عدل الله ورحمته في انسان (( قَدَّمَ ِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طِلْبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ، وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاه )) [ عبرانيين 5 : 7 ]

 6) إذا كان الله عادل وفي كل الشرائع أن العقوبة تناسب  الذنب ، فهل تم التوازن بين صلب المسيح على هذا النحو ، وبين الخطية التي ارتكها آدم ؟

 7) لماذا ترك إله العدل والمحبة الانسانية تتوالد تحت ناموس اللعنة والخطية وان يعم الفساد وينتشر ؟!!

 8) أين عدل الله في رجل يحمل خطايا اناس ظلمه قتله فجره وهو قد تعذب وقتل ،  واخرين يسكرون ويرقصون مستمتعين بحياتهم .. اين العدل ؟!

 هذا ويحاول المسيحيون أن يدافعوا عن هذا المبدأ قائلين أن يسوع المسيح قدم نفسه طوعاً ، وبإختياره قاسى عذاب الموت على الصليب ليدفع الثمن من أجل خطايا الناس .

 ونحن نجيب على هذا بالآتي :

 أولا : إن الأمر ليس صحيح تاريخياً أن نقول أن يسوع المسيح قد جاء ليموت طوعاً واختياراً عن قصد من أجل خطايا الناس . فنحن نقرأ في الأناجيل أنه لم تكن إرادته أن يموت على الصليب : (( ثُمَّ ذَهَبَ يَسُوعُ وَتَلاَمِيذُهُ إِلَى بُسْتَانٍ يُدْعَى جَثْسَيْمَانِي، وَقَالَ لَهُمْ : اجْلِسُوا هُنَا رَيْثَمَا أَذْهَبُ إِلَى هُنَاكَ وَأُصَلِّي. وَقَدْ أَخَذَ مَعَهُ بُطْرُسَ وَابْنَيْ زَبَدِي وَبَدَأَ يَشْعُرُ بِالْحُزْنِ وَالْكَآبَةِ. فَقَالَ لَهُمْ: نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدّاً حَتَّى الْمَوْتِ! ابْقَوْا هُنَا وَاسْهَرُوا مَعِي! وَابْتَعَدَ عَنْهُمْ قَلِيلاً وَارْتَمَى عَلَى وَجْهِهِ يُصَلِّي، قَائِلاً: يا أبي ، إِنْ كَانَ مُمْكِناً، فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هَذِهِ الْكَأْسُ وَلَكِنْ، لاَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا، بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ! )) متى 26 : 39

 وعندما أيقن أن أعداءه قد تآمروا على قتله وإزهاق حياته قال لهم يسوع في يوحنا 8 : 40 : (( لَوْ كُنْتُمْ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيمَ لَعَمِلْتُمْ أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمَ. وَلكِنَّكُمْ تَسْعَوْنَ إِلَى قَتْلِي وَأَنَا إِنْسَانٌ كَلَّمْتُكُمْ بِالْحَقِّ الَّذِي سَمِعْتُهُ مِنَ اللهِ. )) 

 وقد أعلن يسوع لتلاميذه قائلاً : (( نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدّاً حَتَّى الْمَوْتِ. اِبْقَوْا هُنَا وَاسْهَرُوا. ثُمَّ ابْتَعَدَ قَلِيلاً، وَخَرَّ عَلَى الأَرْضِ، وَأَخَذَ يُصَلِّي لِكَيْ تَعْبُرَ عَنْهُ السَّاعَةُ إِنْ كَانَ مُمْكِناً. وَقَالَ أَبَّا، يَاأَبِي، كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لَدَيْكَ. فَأَبْعِدْ عَنِّي هَذِهِ الْكَأْسَ، وَلكِنْ لِيَكُنْ لاَ مَا أُرِيدُ أَنَا، بَلْ مَا تُرِيدُ أَنْتَ! )) مرقس 14 : 34

 إنه يطلب من تلاميذه أن يسهروا على سلامته وحمايته من أعدائه مع جسارته هذه وإيمانه الوطيد بالله حافظه ومنجيه مع هذا احتاط لنفسه لمواجهة سافرة مع أعدائه فقال لتلاميذه : (( من له كيس فليأخذه ومزود كذلك . ومن ليس له فليبع ثوبه ويشتر سيفا . ))  [ لوقا 22 : 36 – 38 ]

 ثم تقدم قليلا وخر على الأرض وكان يصلي قائلا: (( يَاأَبِي ، كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لَدَيْكَ. فَأَبْعِدْ عَنِّي هَذِهِ الْكَأْسَ، وَلكِنْ لِيَكُنْ لاَ مَا أُرِيدُ أَنَا، بَلْ مَا تُرِيدُ أَنْتَ! )) لقد وكل المسيح أمره إلي الله بقوله : (( لاَ مَا أُرِيدُ أَنَا، بَلْ مَا تُرِيدُ أَنْتَ! )) [ مرقس 14 : 36 ] . فأي عاقل بعد هذا يدعي ان المسيح جاء ليقدم نفسه ويقاسي العذاب طوعاً واختياراً ؟

 وتحت عنوان : ويستجيب الله لدعاء يسوع ، يقول السيد أحمد ديدات :

 يؤكد القديس بولس ، أن دعاء المسيح وتضرعاته لم تقع على آذان صماء ، فهو يقول في رسالته إلي العبرانيين [ 5 : 7 ] : (( الذي في أيام جسده ، إذ قدم بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت، وسمع له من أجل تقواه ))

 ماذا يعني قول بولس :  (( وسمع له )) ? أليس المعنى أن الله قد قبل دعاءه ؟

 أيمكن بعد ذلك أن نقول ان المسيح جاء ليصلب باختياره ؟!! 

 ومن جهة أخرى فإن النص السابق يذكر بأن المسيح قدم صراخ شديد ودموع للقادر !!

 فمن هو القادر ومن هو المقدور له وإذا كان المسيح ليست له القدره ويطلبها من الله القادر فلماذا يعبده النصارى ؟!

 ان ما يعتقده المسيحيين من أن المسيح مات مصلوباً فداءاً للبشرية وكفارة للخطيئة الموروثــة هو اعتقاد مخالف للقواعد والنصوص الأساسية التي اشتمل عليها كتابهم المقدس والتي تثبت أن كل إنسان يتحمل نتيجة فعله وإليك بعض من هذه النصوص

  ففي سفر التثنية [ 24 : 16 ] : (( لا يُقْتَلُ الآبَاءُ عَنِ الأَوْلادِ وَلا يُقْتَلُ الأَوْلادُ عَنِ الآبَاءِ. كُلُّ إِنْسَانٍ بِخَطِيَّتِهِ يُقْتَلُ ))

 وفي حزقيال [ 18 : 20 ] : (( الاِبْنُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ وَالأَبُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الاِبْنِ. بِرُّ الْبَارِّ عَلَيْهِ يَكُونُ وَشَرُّ الشِّرِّيرِ عَلَيْهِ يَكُونُ. فَإِذَا رَجَعَ الشِّرِّيرُ عَنْ جَمِيعِ خَطَايَاهُ الَّتِي فَعَلَهَا وَحَفِظَ كُلَّ فَرَائِضِي وَفَعَلَ حَقّاً وَعَدْلاً فَحَيَاةً يَحْيَا. لاَ يَمُوتُ. كُلُّ مَعَاصِيهِ الَّتِي فَعَلَهَا لاَ تُذْكَرُ عَلَيْهِ. ))

 وقد قال موسى وهارون للرب : (( اللهُمَّ إِلهَ أَرْوَاحِ جَمِيعِ البَشَرِ هَل يُخْطِئُ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَتَسْخَطَ عَلى كُلِّ الجَمَاعَةِ ؟ )) [ العدد 16 : 22]

  إن إدعاء النصارى بأن عدالة الله تقتضي دفع الثمن لكل خطيئة هي دعوى باطلة بلا شك :

 ألم يقل الرب في إشعيا [ 55 : 7 ] : (( لِيَتْرُكِ الشِّرِّيرُ طَرِيقَهُ وَالأَثِيمُ أَفْكَارَهُ، وَلْيَتُبْ إِلَى الرَّبِّ فَيَرْحَمَهُ، وَلْيَرْجِعْ إِلَى إِلَهِنَا لأَنَّهُ يُكْثِرُ الْغُفْرَانَ.))

 ألم يقل الرب في حزقيال [ 33 : 11 ] : (( حَيٌّ أَنَا يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، إِنِّي لاَ أَبْتَهِجُ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ بَلْ بِأَنْ يَرْتَدِعَ عَنْ غِيِّهِ وَيَحْيَا. ))

 ألم يقل الرب في حزقيال [ 18 : 21 ] : (( وَلَكِنْ إِنْ رَجَعَ الشِّرِّيرُ عَنْ خَطَايَاهُ كُلِّهَا الَّتِي ارْتَكَبَهَا، وَمَارَسَ جَمِيعَ فَرَائِضِي وَصَنَعَ مَا هُوَ عَدْلٌ وَحَقٌّ فَإِنَّهُ حَتْماً يَحْيَا، لاَ يَمُوتُ. 22وَلاَ تُذْكَرُ لَهُ جَمِيعُ آثَامِهِ الَّتِي ارْتَكَبَهَا. إِنَّمَا يَحْيَا بِبِرِّهِ الَّذِي عَمِلَهُ.))

 ألم يذكر كاتب سفر الخروج 40 : 12 أن الرب غفر لهارون خطأه ، وأمر بجعله وذريته كهنة على بني اسرائيل وقد جاء في سفر اخبار الايام الثاني [ 7 : 14 ] : (( فَإِذَا تَوَاضَعَ شَعْبِي الَّذِينَ دُعِيَ اسْمِي عَلَيْهِمْ وَصَلُّوا وَطَلَبُوا وَجْهِي وَرَجَعُوا عَنْ طُرُقِهِمِ الرَّدِيئَةِ فَإِنِّي أَسْمَعُ مِنَ السَّمَاءِ وَأَغْفِرُ خَطِيَّتَهُمْ وَأُبْرِئُ أَرْضَهُمْ.))

 أليس يسوع هو الذي علمكم أن تصلوا إلى الله قائلين : (( وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا ! )) [ متى 6 : 12 ]

 ويقول أيضاً : (( فإن غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَلاَّتِهِمْ ، يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ زَلاَّتِكُمْ. وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ زَلاَّتِكُمْ. )) [ متى

 وقد قال داود في صلواته : (( إنْ كُنْتَ يَارَبُّ تَتَرَصَّدُ الآثَامَ، فَمَنْ يَسْتَطِيعُ الْوُقُوفَ فِي مَحْضَرِك َ؟ وَلأَنَّكَ مَصْدَرُ الْغُفْرَانِ فَإِنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَهَابُونَكَ )) [ مزمور 130 : 3 ] .

 إن الغفران الذي يتم للخاطىء بالقصاص من إنسان نيابة عنه ليس بالغفران على الإطلاق . إن الله يقدر ويقضي بالمغفرة لأولئك الذين يبدو صلاحهم حقاً وأولئك الذين تنحوا كليةً عن خطاياهم وأصلحوا أنفسهم دون قصاص منهم أو من إنسان نيابة عنهم إن الله يقدر ويقضي بغفران جميع سقطاتهم وذنوبهم . وهذا القضاء وتلك القدرة ليس ضد العدالة . وفي الواقع هذا هو الغفران الحقيقي وحده .

 ومن ثم نقرأ في القرآن الكريم قوله سبحانه :

 (( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ ))  (الزمر آيتي 53 ، 54 .)

 وقوله سبحانه :

 (( وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً  وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً )) ( النساء آيتي 110 ، 111 ) .

عزيزي المتصفح :

 إن فكرة الاستعاضة أو التضحية النيابية فكرة غير منطقية ولا معنى لها وهي أشبه ما تكون بطبيب يحطم رأسه ليشفي صداع المرضى لديه .

 إن مبدأ الكفارة أو التضحية تجعل الأقنوم الأول في الثالوث المقدس المكذوب متعطشاً لسفك الدم من أجل إظهار التضحية بالذات محبةً للأقنوم الثاني . وللنقد النزيه فإن تضحية الأقنوم الثاني تظهر في غير موضعها وبلا معنى كطلب الأقنوم الأول الظالم والمتلذذ بالقسوة .

 



آرثر ويجال Arthur Weigall يضع هذا التعقيب ذا المغزى على مبدأ الكفارة فيقول :

 نحن لا نقدر أن نقبل المبدأ اللاهوتي الذي من أجل بعض البواعث الغامضة أوجب تضحية استرضائية . إن هذا انتهاك إما لتصوراتنا عن الله بأنه الكلي القدرة وإلا ما نتصوره عنه ككلي المحبة . إن الدكتور كرودن الشهير يعتقد أنه من أجل مآرب لهذه التضحية فإن يسوع المسيح قاسى أشد العذاب أوقعها الله قصاصاً عليه . وهذا بالطبع وجهة نظر يتقزز منها العقل العصري والتي قد تكون شرط لعقيدة بشعة ليست منفصلة عن ميول التلذذ بالقسوة للطبيعة البشرية البدائية . وفي الواقع أن هذه العقيدة دخيلة من مصدر وثني وهي حقا من آثار الوثنية . في الإيمان .

 إن المنهج المسيحي للخلاص ليس فقط لا أخلاقياً ولا منطقياً ومعتلًا . بل أيضا لا سند له في كلمات يسوع المسيح . ربما قال يسوع أنه يتعذب من أجل خطايا الناس ، بمعنى أنه من أجل أن يخرجهم من الظلمات إلى النور تجشم النقمة الإلهية على فاعلي الشر وكانوا سبب تعذيبه ولكن لا يعني هذا أن موته كان تضحية من أجل خطايا الآخرين ، وأن أولئك الذين يؤمنون فقط بدمه المسفوك عنهم ينالون غفران الخطايا .

 لقد جاء يسوع المسيح لينقذ الناس من خطاياهم بتعاليمه وحياته المثالية في تقوى الله وليس بالموت عمداً من أجلهم على الصليب ومنحهم دمه كفارة لخطاياهم . وعندما جاء شاب إليه يسأله :

 (( أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟ وَلكِنَّ يَسُوعَ قَالَ لَهُ: لِمَاذَا تَدْعُونِي الصَّالِحَ؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحاً إِلاَّ وَاحِدٌ، وَهُوَ اللهُ . أَنْتَ تَعْرِفُ الْوَصَايَا: لاَ تَقْتُلْ؛ لاَ تَزْنِ؛ لاَ تَسْرِقْ؛ لاَ تَشْهَدْ بِالزُّورِ؛ لاَ تَظْلِمْ؛ أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ! )) [ مرقس 10 : 17 ]

 إن المسيح لم يذكر للسائل شيئاً عن تضحيته كفارة وقوة فداءه بسفك دمه ، وكان جواب يسوع هو نفس جواب كل نبي قبله :

 (( قَالَ لَهُ : لِمَاذَا تَدْعُونِي الصَّالِحَ؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحاً إِلاَّ وَاحِدٌ، وَهُوَ اللهُ )) [ مرقس 10 : 18 ] .

 ( فاحفظ الوصايا ) إنها وفقا لكلام يسوع المسيح هي الطريق إلى الحياة الأبدية . إن الخلاص يمكن الحصول عليه بالإيمان بالله ، والتنحي عن الشر وفعل الخير وليس بقبول يسوع المسيح ملعوناً على الخشبة والإيمان بدمه المسفوك كفارة لخطايا الجنس البشري .

 إن عقيدة الكفارة مختلة للأسباب كثيرة :

 1.    أن الإنسان لم يولد بالخطيئة .

 2.    إن الله لم يطلب ثمناً ليغفر للخطاة .

 3.    إن فكرة الاستعاضة أو الذبيحة العوضية ظالمة وقاسية .

 4.    وإن خطيئة الإنسان لا تؤذي الله بل تؤذي الإنسان ذاته وفي الحديث القدسي يقول الرب تبارك وتعالى :

 (( يا عبادي : إنكم تخطئون بالليل والنهار ، وأنا أغفر الذنوب جميعا ، فاستغفروني أغفر لكم ، يا عبادي : إنكم لم تبلغوا ضري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني . يا عبادي : لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ، ما زاد ذلك في ملكي شيئا .))

 إن وصمة الخطيئة في أنفسنا يمكن محوها ليس بعذاب أو بموت أي إنسان آخر سواء كان الأخير راضيا أو غير راض ، ولكن بتوبتنا الشخصية والابتعاد كلية عن فعل الشر ، والمثابرة على فعل الخير .

 وهكذا ، عندما عصى آدم ربه ، ندم وتاب وأذعن ذاته كلية لله ، فإن خطيئته قد غفرت ، فلا توريث لخطيئة آدم لأولاده ، ولا تتطلب عذاب الموت ليسوع المسيح للمغفرة ، والحقيقة أن يسوع المسيح لم يمت على الصليب على الإطلاق إن عقيدة الكفارة الفداء إنما هي انتهاك لعدالة الله ورحمته .

 إن الإسلام يرفض هذه العقيدة ويدحضها . فهو يعلن أن مغفرة الخطايا لا يمكن الحصول عليها بعذاب وتضحية لأي إنسان آخر . بشرياً كان أم إلهياً ، ولكن المغفرة تتم بنعمة الله وإخلاصنا نحن ومثابرتنا ومساعينا لمقاومة الشر ولعمل الخير والإحسان . وفي هذا يقول الله سبحانه :

 (( ألا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الأَوْفَى )) ( النجم 38-41 )

 يقول سبحانه :

 (( مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً )) ( الإسراء آية 15 ) .

 إن الإسلام وعد بالخلاص لجميع الذين يؤمنون بالله ويعملون أعمالا صالحة .

 يقول الله سبحانه وتعالى :

 (( بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ )) ( البقرة آية 112 )



منقول عن موقع المسيحية فى الميزان

 




السبت، 24 سبتمبر، 2011

هل حقق المسيح متطلبات ذبيحة الخطية ؟


هل حقق المسيح متطلبات ذبيحة الخطية ؟


تحدد التوراة أن ذبيحة الخطيئة يجب أن تكون بلا أي عيوب جسدية [ تثنية : 17 : 1 ] : " لا تذبحوا للرب إلهكم ثوراً أو حملاً فيه عيب أو شيء رديء ، لأن ذلك رجس لدى الرب ". [ ترجمة الحياة ] وفي [ تثنية 15 : 21 ] : " ولكن إن كان في البكر عيب ، من عرج أو عمى أو أي عيب ، فلا تذبحه للرب إلهك ". [ ترجمة الحياة ]
والآن هل حقق المسيح متطلبات ومواصفات ذبيحة الخطية المنصوص عليها ؟
ان موت المسيح المزعوم لم يحقق متطلبات ذبيحة الخطية، ذلك لأنه طبقاً لنصوص الأناجيل فإن المسيح قبل الصلب المزعوم قد تعرض للضرب والجلد والتشويه الجسدي ، طبقاً للآتي :
انجيل يوحنا ( 19 : 1 طبعة الفاندايك ) : " فحينئذ أخذ بيلاطس يسوع وجلده ، وظفر العسكر إكليلاً من شوك ووضعوه على رأسه .... وكانوا يلطمونه" . وفي انجيل متى ( 27 : 26 طبعة الفاندايك ) : " وأما يسوع فجلده وأسلمه ليُصلب " . وفي انجيل لوقا : ( 22 : 36 طبعة الفاندايك ) : " والرجال الذين كانوا ضابطين يسوع كانوا يستهزئون به ، وهم يجلدونه ) [ ملاحظةتم حذف كلمة يجلدونه من هذه الفقرة من بقية التراجم الأخرى ] وفي انجيل مرقس ( 15 : 19 طبعة الفاندايك ) : " وكانوا يضربونه على رأسه بقصبة ". وأيضاً في مرقس ( 14 : 65 طبعة الفاندايك ) : " يلكمونه ويقولون له تنبأ ". وفي انجيل يوحنا ( 19 : 3 طبعة الفاندايك ) : " وكانوا يلطمونه " .

لا شك - أخي القارىء - أن موت المسيح المزعوم لم يحقق متطلبات ذبيحة الخطية ..... وما بني على باطل فهو باطل:
الكاتب يوسف عبدالرحمن

.....
 


الثلاثاء، 20 سبتمبر، 2011

صلب المسيح وعقيدة الفداء عند النصارى

صلب المسيح وعقيدة الفداء عند النصارى
دين النصارى دين مليء بالغرائب والتناقضات ، وليس أقل تلك الغرائب البدعة التي اخترعها النصارى فيما يتعلق بصلب المسيح – عليه السلام – وليست الغرابة في دعوى صلبه – فقد قتل قبله أنبياء كثيرون – لكن الغرابة في فلسفة تلك الحادثة المخترعة التي تحولت في نظر النصارى من مصدر للألم ، إلى مصدر للفرح والسرور ، إذ يعتقد النصارى أن المسيح – عليه السلام – ابن لله عز وجل وهو في ذات الوقت إله مساو لله أو دونه – على خلاف بينهم في ذلك - وهنا مصدر الإشكال ، إذ كيف لابن الإله أن يصلب ، ويهان ، ويعلق على خشبة ، ويبصق في وجهه في مشهد تتفطر له الأكباد ؟‍‍‍‍‌‍‍‍‍!! فلأي شيء يترك الإله ابنه ، بل كيف للابن – الذي له صفات الإله في نظرهم – أن يترك حفنة من اليهود التعساء تفعل به هذه المهانة ، بل وتسخر منه أمام الملأ قائلة : يا من يدعي أنه يبني الهيكل في ثلاث ، كيف لا تستطيع أن تخلص نفسك ، كل ذلك وابن الإله " الإله " عاجز عن دفع الضر عن نفسه فضلاً عن أن يوقع الضرَّ بغيره ممن صلبه .
ويذكر النصارى في أناجيلهم أن المسيح صاح جزعا : "إيلي، إيلي، لَمّا شَبَقتاني؟ " أي : "إلهي، إلهي ، لماذا تركتني؟"( متى الإصحاح (27) رقم (46-47) ، ويجيب النصارى على هذه التساؤلات الجوهرية – التي تبين فساد وبطلان معتقدهم – بقولهم : إن الخلق ومنذ أن أكل آدم – عليه السلام - من الشجرة وهم يعيشون تحت وطأة الخطيئة ، فالمولود يولد مخطئاً ويعيش مخطئا بعيدا عن الله عز وجل جراء تلك الخطيئة الأولى ، فلما أراد الله أن يغفر لهم أخرج ابنه وأسكنه في بطن مريم العذراء – عليها السلام – يتغذى مما في بطنها، ثم أخرجه مولوداً ، وترعرع كما يترعرع الصبيان ، حتى إذا شبَّ وكبر ، سلمه لأعدائه ليصلبوه ، فيكون ذلك كفارة عن خطيئة آدم – عليه السلام – التي لحقت سائر الناس ، ويذهب النصارى إلى أبعد من ذلك في تفسير حادثة صلب الإله – في نظرهم – إذ يعتقدون أن المسيح - ويسمونه المخلص - لم يخلصهم من خطيئة آدم الأولى فحسب ، بل خلصهم من جميع الخطايا التي ارتكبوها والتي سيرتكبونها ، إذ يكفي – في نظرهم - أن يؤمن النصراني بالمسيح لينال رضا الله ، وليفعل بعد ذلك ما يشاء .
هذه هي فلسفة النصارى فيما يفسرون به قصة صلب إلههم ،  ونحن على يقين أن الناقد لن يكون بحاجة إلى معرفة الحقائق الإسلامية عن حياة عيسى عليه السلام لينقض هذا الهراء المتهافت ، ذلك أن ما يزعمه النصارى مناقض للعقول المستقيمة، ولأجل ذلك أصبحت تلك  المعتقدات الكنسية عرضة لهجوم تيارات كثيرة كالعلمانية والملاحدة ، ولعل أول ما يرد على النصارى في عقيدة الفداء هو اتهامهم لله عز وجل بالظلم من جهة ، وبالعجز من جهة أخرى ، أما الظلم فلأن الله قد قضى : #{ أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى }##( النجم:38 ) وليس هذا الأمر مقرراً في القرآن وحده بل هو منصوص عليه في التوراة أيضاً فقد جاء في "سفر التثنية":- " لا يُقتل الآباء عن الأولاد، ولا يُقتل الأولاد عن الآباء، كل إنسان بخطيئته يقتل"أهـ ، فهذا نص توراتي صريح يؤيد النص القرآني بألا يتحمل أحد جريرة أحد ، فما بال النصارى يريدون أن يحملوا البشرية جميعاً خطأ آدم عليه السلام ، أليس مقتضى العدل أن يتحمل آدم - عليه السلام - وزر خطيئته وحده دون غيره ، مع العلم أننا نعتقد كما أخبرنا القرآن أن آدم عليه السلام تاب إلى الله عز وجل فتاب الله عليه وانتهت القضية عند ذلك ، وما نرى دعوى النصارى في عقيدة الفداء إلا اختراع اخترعوه ليبرروا قولهم بأن الإله صلب ، وهو أمر باطل من أساسه ، وما بني على الباطل فهو باطل .
هذا ما يلزمهم من اتهام الله بالظلم ، أما اتهام الله عز وجل بالعجز فيظهر من خلال تلك التمثيلة الطويلة التي اخترعها النصارى من حمل مريم بالإله إلى ولادته إلى صلبه ، كل ذلك ليغفر الله للناس خطيئة آدم التي لحقتهم، وكأن الله عاجز عن غفران خطيئة آدم إلا بتلك الطريقة السمجة التي ذكروها .
إن في دعوى النصارى أن ابن الإله أهين وبصق في وجهه وصلب على خشبة حتى مات مسبة شنيعة ما تجرأ عليها أحد من العالمين ، حتى الوثنيون لم ينسبوا هذا النقص لآلهتهم وهي من الحجارة والطين ، لذلك كان عمر رضي الله عنه يقول : "أهينوهم – أي النصارى - ولا تظلموهم، فلقد سبوا الله عز وجل مسبة ما سبّه إياها أحد من البشر" أ.هـ .
وكان بعض أئمة الإسلام إذا رأى صليباً أغمض عينيه عنه، وقال: "لا أستطيع أن أملأ عيني ممن سب إلهه ومعبوده بأقبح السب ".أهـ.
وقال بعض عقلاء الملوك: " إن جهاد هؤلاء واجب شرعاً وعقلاً فإنهم عار على بني آدم مفسدون للعقول والشرائع" أهـ.
ويعجبني ما قاله قس مصري أسلم : ( إن كان المسيح رباً فلماذا يحتاج كي يغفر للعباد ويُكفّر ذنوبهم أن يُصلب ويُهان ويُصفع ويُبصق في وجهه ..!! )
 وأين هذا من قوله تعالى : { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }(الزمر:53) .
ومن العجب أن يوجد في التوراة التي يؤمن بها النصارى ويسمونها العهد القديم لعن من عُلِّق على خشبة ، ففي سفر التثنية (21/23) :  "ملعون من تعلق بالصليب"   ، فهل أصبح المسيح – عليه السلام – ملعوناً ، إن جواب النصارى على ذلك ليصيب العاقل بالحيرة والذهول ، إذ يقول بولس في رسالته إلى أهل غلاطية (3/13) : " المسيح افتدانا من لعنة الشريعة إذ صار لعنة لأجلنا " أهـ. فانظر إلى عقول هؤلاء كيف يصمون إلههم باللعنة ثم يعبدونه ويقدسونه ، إنها عقول فسدت فجعلت من الإله ملعونا ، وفسدت فجعلت الثلاثة واحدا ، وفسدت فعظمت الآلة التي قتل عليها إلههم ،حيث علق كل واحد على صدره صليبا.
 هذه هي عقول النصارى، وإن المرء ليعجب أشد العجب من دين هذا مبدأه وتلك أصوله يكاد يهدم بعضها بعضاً، ومع ذلك تتبعه هذه الملايين الغفيرة من البشر ، فهل فقدت تلك الجماهير عقولها ؟ أم جمدتها ، أم إن إيمانهم بهذا الدين لم يكن عن فكر واقتناع وإنما كان لسهولة وجدوها فيه ، إذ يكفي الإيمان بألوهية المسيح حتى ينال أحدهم رضا الله عز وجل، هذه احتمالات جميعها واردة ، وبعضها أسوأ من بعض ، ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نحمد المولى عز وجل أن أكرمنا بالإسلام ، الدين الحق الذي ارتضاه لعباده ، وحفظه من تحريف الغالين ، وإبطال المبطلين ، ونسأله سبحانه أن يحيينا عليه، وأن يميتنا عليه ، وأن يبعثنا عليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه ، والحمد لله رب العالمين .
--------------
نقلا عن موقع التوضيح لدين المسيح

الجمعة، 16 سبتمبر، 2011

دعوى صلب المسيح ( 2)

دعوى صلب المسيح
تكلمنا في الجزء الماضي عن تمويه محرر مجلة البروتستانت على بعض عوام المسلمين في هذه المسألة وأقوى ما يخادعون به أنه لا يعقل أن رجلاً مشهورًا كالمسيح يشتبه على اليهود وشرطة الرومان فلا يميزونه من غيره .
  وفاتنا أن نذكر أن في الأناجيل عبارات كثيرة تدل على أن الاشتباه حصل بالفعل .   وقد كتب إلينا من السويس كاتب في ذلك فرأينا أن ننقل عبارته بنصها وهي :  ( قد اطَّلعت على ما جاء في المنار ردًّا على بشائر السلام في مسألة صلب المسيح ) .
   ولما كنت قد كتبت على المجلة المرسلة إليَّ من نقولا كتابة في هذا الشأن ورددتها إليه رأيت أن أطلع حضرتكم على مضمون ما كتبت فلعلك تجد فيه ما يناسب المنار ، وإن كان ما كتبته موجزًا فعلى المنار الإيضاح والمراجعة والتفصيل .
   قلت عند قوله : ( قال المفسرون إن الله ألقى شبهه .. إلخ ) إن المفسرين قسمان قسم يفسر من طريق الإيمان على سنة المسيحية وهم الذين نقلت قولهم ، وقسم يفسر من طريق العلم والعقل على سنة الإسلام وقد فسروا هذه الآية بما لا يبعد عما ورد في أناجيلكم التي تقرؤونها ولا تفهمونها ، ورد في الإنجيل أن المسيح قال لتلامذته : إنكم ستنكرونني قبل أن يصيح الديك .. إلخ ( أنكرت الشيء لم أعرفه ) وورد أيضًا فيه أن المسيح خرج من البستان فوجد أعداءه فقال لهم : مَن تطلبون ؟ فقالوا : المسيح .
  فقال : هو أنا ذا فقالوا : إنما أنت بستاني ولست بالمسيح وهكذا كانوا كلما وجدوه أنكروه وخانتهم أبصارهم في رؤيته وعمي عليهم واشتبه منظره ( وخيانة النظر ثابتة قطعًا ) فلما أعيتهم الحيل استأجروا يهوذا الإسخريوطي بثلاثين درهمًا ليدلهم عليه لتمكُّّّنه منه فلا يشتبه عليهم ، وهذا في الإنجيل أيضًا فهذه الحيرة المفضية إلى استئجار دليل يدل عليه مع ملاحظة أنه رُبِّيَ في وسطهم وكانوا يعجبون بفصاحته وحكمته كما هو وارد في الإنجيل أيضًا تدل بأجلى بيان وأوضحه على أنهم كانوا في شك منه ، وكان يشبه لهم بغيره فكلما اجتمعوا عليه اشتبه عليهم وعمي في نظرهم وخانتهم أبصارهم وظنوه غيره وما حصل لهم حصل لدليلهم ( يهوذا ) وقد ورد في الإنجيل أنهم حينما ساقوه للصلب كانوا يستحلفونه : هل أنت المسيح ؟ فكان يقول : هذا ذا فمنه يعلم أنهم كانوا لم يزالوا في شكهم حتى بعد الاستئجار ووجود المرشد والدليل ، فلما أعياهم الأمر عمدوا إلى مَن غلب على ظنهم أنه هو المسيح والمسيح في السحابة البيضاء مع موسى كما في الإنجيل أيضًا ثم صلبوا ذلك الرجل الذي كانوا يستحلفونه ، وغلب على ظنهم أنه هو المسيح فهل كل هذا كان لظهور المسيح واضحًا لهم أو لأنهم كلما طلبوه شُبه لهم وألقى شبه غيره عليه وعمي عليهم وخانتهم أبصارهم فعمدوا إلى يهوذا واستأجروه ليدلهم عليه ، فما كان بأمثل منهم في ذلك وأدتهم خاتمة المطاف إلى أخذ من غلب على ظنهم أنه هو وصلبوه ، وما هو منه بشيء بل المسيح ساخر منهم ضاحك عليهم يقول : أنا المسيح ! فيقولون : لست هو ، حتى قتلوا غيره وصلبوه وهو محجوب عن أنظارهم مشتبه عليهم قد شُبه لهم بالبستاني مرة وبغيره أخرى وبذلك نجَّاه الله من كيدهم فما نالوه بسوء [ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّن ]( النساء : 157 ) المبني على إرشاد يهوذا المشكوك فيه كما علمت من نص الإنجيل [ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ]( النساء : 157 ) .
  هل فهمت يا حضرة المبشر الآية وكيف كانت عبارات الإنجيل حجة للإسلام لا عليه ؟ .
  فاقرؤوا الأناجيل وافهموها ؛ فقد وسع الله لكم على يد البروتستانت ولا تكونوا كالذي يحمل أسفارًا اهـ .
  أركان الدين الصحيح ضاق هذا الجزء عن رد شبهات النصارى على القرآن وغير ذلك مما كنا وعدنا به لطول مقالة ( النبأ العظيم ) أكثر مما كنا نتوقع ، وقد صدر الجزء الخامس من المجلة البروتستنتية قبل صدور هذا المنار قرأنا فيها نبذة في أركان الدين الصحيح يقول فيه الكاتب الذي ينتمي إلى المسيح ما نصه :  وإن المذهب الذي يجب على كل فرد أن يختاره لنفسه هو أكثر المذاهب مشابهة لروح الآلهة وأقربها لصفاتهم .. إلى آخر ما قاله وكرر فيه لفظ ( الآلهة ) ثم فسر هذا المذهب بقوله : ( ذلك المذهب الذي ينادي : أن يا قوم أحسنوا إلى مَن أساء إليكم فتلك صفات الله ، ذلك المذهب إنما هو مذهب إلهي بلا مراء ) ، ثم ذكر أن المذهب إذا قال لتابعيه جاهدوا في سبيل الله ودافعوا عن أنفسكم في سبيل الله يكون بريئًا من الله والله بريئًا منه ؛ لأن العزة الإلهية لا تأمر بالقتال مهما كان الغرض شريفًا .
  وأجاب عن أمر التوراة بني إسرائيل بإبادة بعض الأمم المجاورين لهم ( بأنه ) كان أمرًا وقتيًّا لازمًا للتوصل إلى المسيحية ديانة السلام والمحبة ) ! .
   ثم ذكر اعتراض الناس على هذا المذهب بكون محبة الأعداء وترك المدافعة عن النفس مستحيل ، واعترف بأن هذا صحيح بالنسبة إلى معارف البشر الآن وقال : إن معارفهم سترتقي في المستقبل إلى فهمه .
   فملخص هذا الدين الإلهي :  ( 1 ) أنه يوجد آلهة متعددة وأن أخلاقهم متفقة على محبة أعدائهم ولا شك أن أعداءهم هم الذين لا يؤمنون بهم ، ولا معنى لمحبتهم إلا عدم مؤاخذتهم على الكفر فالنتيجة أن هذا الدين دين إباحة ومبطل لنفسه ولغيره .
   ( 2 ) أنه يأمر بمحبة الأعداء وترك المدافعة وذلك مستحيل بحسب ما وصلت إليه معارف البشر إلى القرن العشرين من ظهوره ؛ ونتيجة هذا أنه لم يتبعه أحد حتى الآن .
   و ( 3 ) أن هذا المذهب يخالف قول المسيح : ( وهذه هي الحياة الحقيقية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك .
  ويسوع المسيح الذي أرسلته ) ( يوحنا 17 ) وقوله : ( لا تظنوا أني جئت لألقي سلامًا على الأرض ، ما جئت لألقي سلامًا ؛ بل سيفًا ؛ فإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمها ، والكنة ضد حماتها وأعداء الإنسان أهل بيته ) ( متّى 10-34و35 ) وقوله : ( جئت لألقي نارًا على الأرض ) ( لوقا 13-94 ) وقوله : ( إن كان أحد يأتي إليَّ ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته وأخواته حتى نفسه أيضًا فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا ) ( لوقا 14-26 ) وقوله : ( أما أعدائي أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم فأتوا بهم إلى هنا واذبحوهم قدامي ) ( لوقا 19-27 ) وأمثال ذلك .
   فأي الدينين دين المسيح عليه السلام ؟ !
عن مجلة المنار عن مجلة المنار عدد صفر 1321هـ - يناير 1903م
بقلم الشيخ رشيد رضا

الثلاثاء، 13 سبتمبر، 2011

دعوى صلب المسيح ( 1 )

دعوى صلب المسيح 1
جاء في الجزء الأخير من الجريدة البروتستنتية نبذتان في الطعن بالإسلام : إحداهما محاورة  في صلب المسيح ، والثانية طعن في القرآن وقيح ، وقد كانت هذه المجلة تطعن في الإسلام وكتابه ونبيه مع شيء من الأدب ونراها في هذه المدة هتكت ستار الأدب وتجاوزت حدوده ، مع أننا كنا نرجو أن تزيد في تحريه بعدما أسند تحريرها إلى نقولا أفندي روفائيل الذي نعرفه دمثًا لطيف الشمائل ، ولكنها نشوة الحرية في مصر ، والشعور بضعف نفوس المسلمين في هذا القطر فَعَلا في نفوس هؤلاء الدعاة إلى النصرانية ما لا تفعل الخمر ، فصار الواحد منهم إذا نسب الافتراء إلى سيد الأنبياء بالتصريح وكتبه ونشره يرى نفسه كأنه قد جلس على كرسي ميناس الأول أو رعمسيس الأكبر .
   ونحن نقول : إن الحرية تنفع الحق ولا تضره ، وإن سوء الأدب يضر صاحبه ولا ينفعه وإن الشعب الضعيف قد يقوى بشدة الضغط المعنوي عليه فيتنبه إلى التمسك بحقه والدفاع دونه وعند ذلك تزهق الأباطيل .
  وإننا لم نطلع على ما ذكر إلا بعد تهيئة أكثر مواد هذا الجزء من المنار فاختصرنا مقالة الخوارق والكرامات وكتبنا بدل تتمتها هذه الكلمات ، ونرجئ تفنيد أقوالهم في القرآن إلى الجزء الثالث من المنار ، ونخص كُليماتنا هذه في مغامز ذلك الحوار .
   ذكرت المجلة أن الحوار كان في مكتبة البروتستان في السويس بين محررها وبعض المسلمين ، وأن المسلم احتج بالقرآن على نفي الصلب فأجابه المحرر :  هبْ أنك كنت معاصرًا للمسيح وممن يعرفونه شخصيًّا وحضرت في مشهد الصلب خارج أورشليم فماذا كنت ترى ؟ قال : كنت أرى - ولا شك - المسيح مصلوبًا كما رآه الجمهور ، قلت : وماذا يكون إيمانك ويقينك حينئذ ؟ قال : كنت أوقن وأؤمن وأشهد أنه صُلب حقًّا كما أبصرت بعيني وأبصر الجمهور في رائعة النهار .
   قلت : افرض أنك فيما أنت مؤكد بهذا التأكيد عن صلب المسيح وإذا برجل أمي من العرب - أولئك القوم المشركين - يقول لك : أنت المؤمن وقد مضى على حادثة الصلب نحو سبعمائة سنة عبارة القرآن هذه : ( وما صلبوه وما قتلوه ) ( كذا ) فهل تستطيع أن تكذب عيانك وعيان الجمهور وتصدق خبر هذا الأمي ؟ وهل الخبر أصدق من العيان ؟ قال : إذا كنت أعلم أن هذا الأمي المكذب للصلب رسول الله فأصدق خبره وأكذب عياني وعيان الجمهور ؛ لأن الله أعلم منا بحقائق الأمور .
   قلت : وهل علمت أنه رسول الله وأن هذه العبارة من وحي الرحمن لا من تلقين الشيطان ؟ قال : نعم علمت ذلك بدون شك ، أجبت : كيف علمته ؟ قال : إن محمدًا ( صلى الله عليه وسلم ) لما بعث رسولاً أيده الله بالمعجزات الباهرة .
   قلت : ليس لمحمد معجزة بدليل قوله : [ وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ ]( الإسراء : 59 ) ولكن هب أن له معجزة وأنت رأيتها فبأي حق تُرجح حكم حسك في رؤية معجزات محمد على حكمه في رؤية صلب المسيح أَوَ لست تعلم أنه إذا أرى اللهُ الناسَ شيئًا على خلاف حقيقته ثم كذَّب ما أراهم إياه لا يعود الناس يصدقونه إذا أراهم شيئًا على حقيقته ! تعالى الله عن ذلك التلاعب ، وهل هذا هو الدليل القرآني الذي تحاول أن تنفي به حقيقة شهدت لها الكتب المقدسة من قبل ومن بعد ، وأثبتها التاريخ والآثار وعاينها جمهور عظيم من كل أمة تحت السماء ؟ !  وعند سماعه حجتي لم يكن عنده رد عليها وأمسك عن الكلام وخرج هو وأصحابه !  وعدا ذلك اعلم - أيها القارئ العزيز - أن عبارة القرآن : [ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ ]( النساء : 157 ) منقولة عن بقايا فرقة صغيرة من النصارى قد مرقت عن الحق يقال لها ( الدوسيتيين ) الذين اعتقدوا بلاهوت المسيح تمامًا كما تعتقد النصارى اليوم ومن البدء ؛ ولكنهم أنكروا ناسوته وزعموا أن الجسد الذي ظهر به المسيح إنما كان صورة فقط لا حقيقة له أشبه بالظل والخيال وأوَّلوا الآيات الإنجيلية التي تثبت كون جسده كسائر الأجساد ما عدا الخطيَّة فقالوا عن نموه في القامة : ما كان ينمو ولكن شبه لهم وعن تناوله الطعام قالوا : ما كان يأكل ولا يشرب ؛ ولكن شبه لهم ، وعن نومه وسائر أعماله الجسدية المشار إليها في الإنجيل قالوا : لم تكن حقيقية بل شبهت لهم وعن صلبه وموته قالوا : ( ما صلبوه وما قتلوه ولكن شبه لهم ) فمحمد إذ سمع مقالتهم بصلب المسيح صورة دون الحقيقة ولم يكن يعلم المبدأ الذي ترتب عليه هذا القول بادر بالمصادقة عليه رغبة في تنزيه المسيح عن الموت المهين ونكاية في اليهود ، والدليل على ذلك أن مقالة التشبيه هذه لا يمكن أن تخطر مباشرة على بال عاقل ما لم يكن لها مبدأ كالذي ذكرناه اهـ .
   هذه هي المحاورة التي أوردها بحروفها ونقول له في الجواب :  إن الإسلام سيهدم الوثنية التي غشيت جميع الأديان السماوية حتى يرجع الناس إلى الدين القيم دين التوحيد القائم على أساس الفطرة المطابق للعقل حتى يعترف الناس أن الوثنية السفلى كعبادة الحجر والشجر مثل الوثنية العليا ، وهي عبادة البشر ، فهو يهدم كل دين بالبراهين الراجحة ، فكيف تقوى عليه هذه السفسطة الفاضحة ؟ !  إذا فرضنا أن أجوبة المسلم له كانت قاصرة في معناها على ما كتبه فلا شك أن ذلك المسلم عامي غِرٌّ ، والظاهر أنه زاد في القول ما شاء وحرَّف فيه ما شاء كما هي عادتهم ، وكما تدل عليه المبالغة في تأكيد الصلب من المسلم بناءً على ذلك الفرض ككلمة ( كنت أرى ولا شك ) وكلمة ( كما رآه الجمهور ) وكلمة ( كنت أوقن وأؤمن وأشهد ) ومن عادة المنكِر إذا أقر بشيء على سبيل التسليم الجدلي الفرضي أنه لا يؤكده بمؤكد ما فكيف نصدق أن ذلك المسلم انسلَّ من هذه العادة الطبيعية العامة وغلا كل هذا الغلو في تأكيد الصلب ثم انقطع عن المناظرة وتوهم أنه رأى المسيح مصلوبًا حقيقة وحار في التطبيق بين مشاهدته ، وقول مَن قام البرهان على عصمته ؟ ! ونحن نذكر للكاتب البارع جواب المسلم العالم بدينه عن هذه المسائل .
   أما الجواب عن السؤال الأول : فكل من يعرف الإسلام يقول فيه : إنني لو كنت في زمن المسيح وكنت أعرف شخصه لجاز أن يشتبه عليَّ أمر تلك الإشاعة كما اشتبه على غيري ، فالنصارى أنفسهم لا ينكرون أنه وقع خلاف في الصلب ، وأن بعض الأناجيل التي حذفتها المجامع بعد المسيح بقرون كانت تنفي الصلب ومنها إنجيل برنابا الذي لا يزال موجودًا رغمًا عن اجتهاد النصارى في محوه من الأرض كما محوا غيره .
  وإذا كانت المسألة خلافية وكان الذين اختلفوا فيه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن فما علينا الآن إلا أن نأخذ بما قاله عالِم الغيب والشهادة في كتابه المنزل على نبيه المرسل .
 وبهذا الجواب سقط السؤال الثاني وجوابه وكذلك السؤال الثالث .
 ومع هذا نقول : إن السؤال الثالث غير وارد بحال فإنه ليس عندنا مسألة مشاهَدة وجاءنا رجل أمي من المشركين يكذبها ولو وقع هذا لكذبنا المشرك الأمي وصدقنا بصرنا .
  وإنما عندنا مسألة تاريخية اختلف فيها الناس وظهر فينا نبي أمي باتفاق جميع الأمم ؛ ولكنه علمنا الكتاب والحكمة وهدم الشرك والوثنية من معظم الممالك بقوة إلهية أعطاه الله إياها .
  ومما جاء به حل عُقد الخلاف بين الملل الكبيرة ومنها هذه العقدة فوجب اتباعه في ذلك .
  وعجيب من نصراني يبني دينه على التسليم بأقوال مناقضة للحس والعقل في كتب ليس له فيها سند متصل ثم يحاول هدم كتاب سماوي منقول بالتواتر الصحيح حفظًا في الصدور والسطور بمعول وهمي ، وهو فرض أننا رأينا المسيح مصلوبًا وما رأيناه مصلوبًا ، والفرض الموهوم لا يمس الثابت المعلوم ، يقول هذا النصراني : إن التوراة التي يحملها هي كتاب موحى من الله تعالى وكله حق .
  وفي هذه التوراة مسائل كثيرة مخالفة للحس والبرهان العلمي فكيف يؤمن بها ؟ كيف يؤمن بقولها إن الرب قال للحية : ( وترابًا تأكلين كل أيام حياتك ) وهذه العبارة تفيد بتقديم المفعول أنها لا تأكل غير التراب وقد ثبت بالمشاهدة أنها تأكل غير التراب كالحشرات والبيض ولا تأكل التراب مطلقًا ، وكيف يؤمن بأن الواحد ثلاثة والثلاثة واحد ، وأن كلاً من هذه الوحدة وهذا التعدد حقيقي ؟ وأمثال ذلك كثير في الكتابين .
   وأما السؤال الرابع فجوابه أننا علمنا أن محمدًا رسول الله ، وأن ما جاء به وحي من الله بالبراهين القطعية ، ومنها ما أشرنا إليه آنفًا في مقالات الكرامات والخوارق ( راجع المسألة العاشرة ) ، وقررناه بالتفصيل في مقالات سابقة ، وأثبتنا آنفًا من نص توراتكم وإنجيلكم أن الآيات والعجائب الكونية لا تدل على النبوة وأنها تصدر على أيدي الكذبة والمضلين .
   هذا إذا سلمنا أن النبي e لم يؤتَ إلا آيات الكتاب العلمية ، وما كان على يديه من الهداية العملية وكلاهما يدل على نبوته كما تدل المؤلفات النفيسة في علم الطب والمعالجات الناجعة النافعة على أن صاحبها طبيب بخلاف عمل العجائب ، إذا جعل دليلاً على أن صاحبه طبيب ؛ لأنه لا ينخدع به إلا الجاهلون ؛ لأنه لا علاقة بين معرفة الطب وبين عمل الأعجوبة وللمسلم أن يقول : إن النبي الأعظم e قد أُوتي آيات كونية كثيرة ولكنه لم يجعلها هو ولا أتباعه من بعده عمدة في الدعوة إلى دينه ؛ لأن دلالة هذا النوع من الآيات أضعف ولأن خاتم النبيين جاء يخاطب العقول ويؤيد العلم ويحدد الأسباب ويبطل السحر والكهانة والعرافة والدجل ؛ ليرتقي الإنسان بعلمه وعمله ولا يستخذي لعبد من عبيد الله تعالى . وأما قوله تعالى : [ وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ ]( الإسراء : 59 ) فهو مخصوص بالآيات التي تقترحها الأمة ، فتعريف الآيات فيه للعهد بدليل ما رواه أحمد والنسائي والحاكم والطبراني وغيرهم في سبب نزوله وهو أن قريشًا اقترحت على النبي e أن يجعل لهم الصفا ذهبًا وأن ينحّي عنهم الجبال فيزرعوا ! ولا يخفى أن هذه أسئلة تعنت وعناد وإلا فالآية أو الآيات التي أيده الله تعالى بها بينة لم يقدروا على معارضتها ولا نقضها .
  ولما طلبوا آية غير معينة كما هنا نزل قوله تعالى : [ أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ ]( العنكبوت : 51 ) .
   وأما قول النصراني : إن محمدًا أخذ إنكار الصلب عن الدوستيين .
  فهو من اللغو الذي يعرض عنه المسلم ؛ ولكننا نذكر بمناسبته خليقة من خلائق هؤلاء المعتدين من دعاة النصارى وطريقتهم في الاعتراض على القرآن وهي أنهم يقولون فيما ورد فيه عن الأنبياء والأمم مما هو معروف ويعترف به أهل مذهبهم : إنه أخذه عنا وليس وحيًا من الله .
  وفيما هو معروف عند غيرهم ولم يوافق أهواءهم : إنه مأخوذ عن الطائفة الفلانية الكاذبة الضالة المبتدعة وليس وحيًا ! وفيما لا يعرف عندهم ولا عند غيرهم كالأمور التي جهل تاريخها واندرست رسومها : إنه غير صحيح ولا وحي ؛ لأنه لا يعرفه أحد ، ولا يخلو الكلام في الأمم من هذه الأقسام ، والنبي الأمي لم يتعلم من أحد مذاهب الأمم وآراء الفرق المختلفة ؛ لأنه لم يكن في بلاده من يعرفها ؛ ولأنه لم يكن يعرف غير لغة قومه الأميين الجاهلين ؛ ولأنه لم يوافق طائفة في كل ما تقول وتَدين بل اتبع الوحي المنزل عليه من الله والله علام الغيوب .
   وإن لنا في هذا المقام تنبيهًا آخر : وهو أن اعتداء هؤلاء المعتدين على الإسلام وتصدينا للرد على أباطيلهم عقبة في طريق الدعوة إلى الاتفاق ، وإزالة الضغن والشقاق والتعاون على عمارة البلاد ؛ فإن المسلمين يعلمون أن هؤلاء الطاعنين في الإسلام مستأجَرون من قِبل الجمعيات الدينية ؛ لتشكيك عامة المسلمين في دينهم وإهانة كتابهم ونبيهم ، وأن هذه الجمعيات تنفق على دعاتها في كل سنة أكثر من ثلاثة ملايين جنيه لأجل هذا الغرض ، ونتيجة هذا أن النصارى بمجموعهم لا يمكن أن يرضوا عن الأمة الإسلامية حتى تتبع ملتهم ؛ فالذنب في كل عداوة وشقاق على النصارى دون المسلمين .
   وأما ردنا عليهم وتصدينا لبيان أباطيلهم فلا ينبغي أن يكون له تأثير سيئ في النصارى ؛ لأنه دفاع لا اعتداء فإن رد الشبهات الواردة على الدين فريضة دينية على جميع المسلمين إذا لم يقم بها أحد كانوا جميعًا عصاة لله تعالى فاسقين عن أمره ، فنحن ندفع الحرج عن نفسنا وعن جميع المسلمين في هذه البلاد بحكم الاعتقاد المالك لروحنا والمتصرف في إرادتنا وهم ليسوا كذلك .
   ومن البلاء أن هؤلاء الطاعنين لا يؤثر فيهم البرهان ؛ لأنهم لا يطلبون الحق وإنما يطلبون المال فإذا استطعنا إسكات غيرهم ممن يكتب لمنفعة شخصه فلا يتيسر لنا إسكاتهم لأن منفعتهم الشخصية مرتبطة بهذا الطعن ؛ ولذلك نضطر إلى الرد عليهم دائمًا عملاً بالواجب المحتم علينا في الدين فلا يلومنا عقلاء النصارى الذين عرفوا مضرة التعصب الذميم بل يجب عليهم أن يساعدونا عليهم بتخطئتهم في سيرهم .
 وإن كانوا راضين منهم فهم أنصارهم وأولياؤهم .
  والله وليّ المؤمنين .
 عن مجلة المنار عدد المحرم 1321هـ - مايو 1903م
بقلم الشيخ رشيد رضا
 

غرض الإنجيل وموضوعه ( الإسلام ) و ( أحمد ) 2

غرض الإنجيل وموضوعه ( الإسلام ) و ( أحمد ) - 11 - كيف ترجموا هذه الآية كلما تقدمت في هذا المؤلف الوجيز تزعجني هاتان الواهمتان . ا...